في مثل هذا اليوم الثامن عشر من مايو عام 2004 م استيقظ سكان حي تل السلطان غرب مدينة رفح الفلسطينية قبيل صلاة الفجر على صوت صواريخ ضربت مكتبة مسجد بلال بن رباح والتي كان يرابض فيها الشهيدان : طارق شيخ العيد وهاني قفّة ، سقط طارق وهاني بفعل الصواريخ واحترقت مكتبة المسجد في خسارة كبيرة جداً لإحدى أكبر مكتبات قطاع غزة وأغزرها بالكتب القيّمة والنادرة . كانت تلك اللحظات تنذر بقرب اجتياح برّي بشكل واسع للحي الذي يقطنه ما يقرب 45 ألف مواطن ، وبالفعل بدأت القوّات الخاصة الاسرائيلية ووحدات من المخابرات في تمام الساعة 5 فجراً بالتوغل باتجاه الحي انطلاقاً من مستوطنتي رفيح يام وعتصمونا الواقعتان غرب المدينة ، فيما تحرّكت عدة دبابات من منطقة "تل زعرب" على الحدود المصرية-الفلسطينية قاطعة الطريق الرّئيسي بين الحي والمدينة معلنةً بذلك القوّات الاسرائيلية بداية عملية "قوسْ قُزَحْ" البرّية بهدف ملاحقة ما سمّتهم "المخرّبين ومطلقي قذائف الهاون وصواريخ القسّام" وتدمير البنية التحتية لـ "الإرهاب" بمنطقة رفح مع التوازي بتمشيط مكثّف لمنطقة بوابة صلاح الدين وإغلاق أنفاق تهريب السّلاح على الحدود لا سيما في حي البرازيل شرق المدينة .
ومع حلول صباح ذلك الثلاثاء الأسودْ استيقظت رفح على فاجعة باستشهاد كوكبة من خيرة أبناءها وشبابها الميامين الذين تصدُّوا بأقل ما يملكون وقتها من عتاد أمام آلة البطش والإرهاب الصهيونية الشّارونية ، عرف منهم وقتها : زياد شَبَانَة (القنّاص) ، سعيد المغيّر ، عماد المغاري ، محمود أبو طوق ، الأخوان أحمد ومحمد الشاعر ، ثم ما لبثت الجرّافات الصهيونية بتجريف شامل للشوارع الرّئيسية وتدمير لخطوط الهاتف والكهرباء والمياه وآبار الرّي والبيوت البلاستيكية كما لم تسلم الحيوانات فدُمّرت حظيرة لتربية الدواجن أدّت لنفوق حوالي 5000 رأس دجاج ، هذا كله بالتوازي مع حملة تفتيش دقيقة للبيوت بدأت من ليلة ذلك اليوم لا سيما ما يحيط قرية SOS -الخاصة برعاية الأطفال الأيتام- .
من قصص الحصار الذي فُرض على الحي بأكمله لا زالت تعْلَقُ بذهني صورة أحمد وأسماء ، طفلان من سكان الحي لقيا حتفهمها برصاص قناص صهيوني كان متواجداً بالقرب من منزلهم حيث كان أحمد يطعم الحمام الذي يربيه على سطح المنزل ، وكانت أسماء تجمع ملابس أهل البيت معه .. كانت طلقتان كافيتان لإنهاء حياة ذلك الطفلان البريئان -وللأسف لم أسمع عن أي مطالب أو تحرّكات فلسطينية لمقاضاة الاحتلال على جرائمه بحق الأطفال في الحروب فأمثال أحمد وأسماء المغيّر ربما لا يحرّكون صمت وهناء السلطة الفلسطينية- .
بات حي تل السلطان 6 أيّام منقطعاً عن العالم ، فلا مياه ولا كهرباء ولا خطوط هاتف أو شبكة اتصالات محلية وقد دُمّرت كل البنية التحتية وجرّفت مساحات كبيرة من المزارع وشُرّدت عائلات كثيرة وودّع الأهالي كوكبة عزيزة على قلوب الجميع فاقت الـ 40 شهيداً وشهيدةً في أكبر مجزرة بتاريخ رفح منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية وقد تضاعف الرّقم ليصل إلى أكثر من 60 شهيداً بعدما أقدمت طائرة هيلوكبتر على قصف تظاهرة شعبية سلمية خرجت في محاولة لفتح الشارع الرّئيسي للحي وامداد أهالي الحي ببعض المؤن والمواد الغذائية وحليب الأطفال وبعض الأدوية اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة ، وقد راح ضحية هذا الإجرام قرابة الـ 20 شهيد معظمهم بعمر الشباب .
وفي الذكرى التاسعة لعملية "قوس قزح" الإجرامية والتي قادها آنذاك كل من رئيس الأركان الاسرائيلي بنفسه -موشيه يعالون- وقائد المنطقة الجنوبية بجيش الاحتلال ، ها نحن اليوم نرى رفح وقد صمدت بوجه شارون وجيشه وأعادت الرُّوح للمدينة بإنتاجها ومقاومتها ونهضتها العمرانية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية .. فـ رفح اليوم أضحت بوابة للمسافرين والزّوار لقطاع غزة ، في حين ينشغل أبناءها بالبناء والتطوير بالعديد من مجالات الزراعة والصيد والتشييد العمراني والحضري .. ولسان حال أهل رفح هو الدّعاء بأن يديم الله عليهم الأُلفة الاجتماعية والسياسية بين أطياف أبناءها وأن يحرس رفح ويحفظها من كل سوء واعتداء .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق